يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

253

بهجة المجالس وأنس المجالس

قال يوسف بن أسباط « 1 » : أتيت سفيان الثوري رحمه اللّه ، فقلت : يا أبا عبد اللّه ! أوصني . قال : أقلل من معرفة الناس . قلت : زدني يرحمك اللّه ، قال : أنكر من عرفت . قلت : زدني يرحمك اللّه . قال : إبل الرّجال إذا أردت إخاءهم * وتوسّمن أمورهم وتفقّد وإذا ظفرت بذى الأمانة والتّقى * فبه اليدين قرير عين فاشدد قال عبد الملك بن مروان لمؤدّب بنيه : إنّه - واللّه - ما يخفى علىّ ما تعلمهم وتلقيه إليهم ، فاحفظ عنى ما أوصيك به : علّمهم الصّدق كما تعلّمهم القرآن ، واحملهم على الأخلاق الجميلة ، وعلمهم الشعر يسمحوا ويمجدوا وينجدوا ، وجنّبهم شعر عروة بن الورد ، فإنه يحمل على البخل ، وأطعمهم اللّحم يقووا ويشجعوا ، وجزّ شعورهم تغلظ رقابهم ، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم ، فإنهم أحسن الناس أدبا وهديا ، ومرهم فليستاكوا ، وليمصّوا الماء مصّا ، ولا يعبّوه عبّا ، ووقّرهم في العلانية ، وأدّبهم في السّرّ ، واضربهم على الكذب كما تضربهم على القرآن ، فإن الكذب يدعو إلى الفجور ، والفجور يدعو إلى النّار ، وجنّبهم شتم أعراض الرّجال ، فإن الحرّ لا يجد من شتم عرضه عوضا ، وإذا ولوا أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار ؛ فإنه على صاحبه عار باق ووتر مطلوب ، واحثثهم على صلة الرّحم . واعلم أنّ الأدب أولى بالغلام من النّسب .

--> ( 1 ) يوسف بن أسباط بن علي المزي الموصلي ، أحد رجال الحديث ، ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب 11 / 408 . ( 2 ) في ا : وورث .